سكتو همد فال… حين ترحل الفنانة وتبقى الذاكرة
ترجلت عن هذه الدنيا سكتو همد فال، فغاب جسد، لكن صوتًا من أصوات الذاكرة الموريتانية بقي حاضرًا، وبقي معه شيء من زمن جميل، كان للفن فيه طعم آخر، وللكلمة مكانتها، وللفنان رسالة تتجاوز الأضواء والمنصات.
لم تكن سكتو همد فال مجرد اسم مرّ في سجل الفن الموريتاني؛ كانت واحدة من الوجوه التي أسهمت في تشكيل ذاكرة أجيال، وحملت في تجربتها شيئًا من روح هذه الأرض، ومن ذوق أهلها، ومن ذلك الفن الذي نشأ من عمق المجتمع الموريتاني، وتوارثته الأجيال جيلاً بعد جيل.
كانت تنتمي إلى زمن كان فيه الفن أكثر التصاقًا بالناس، وكانت الأغنية تحفظ في الذاكرة كما تحفظ الحكايات، وتنتقل من مجلس إلى مجلس، ومن جيل إلى جيل. ولذلك فإن رحيلها ليس خبر وفاة فنانة فحسب، بل هو فقدان جزء من الذاكرة الثقافية والفنية التي صنعت وجدان موريتانيا الحديثة.
يا سكتو…
يرحل الفنانون، لكن أعمالهم لا ترحل معهم.
ترحل الأجساد، وتبقى الأصوات.
تغيب الوجوه، وتبقى الصور في ذاكرة من عرفوها وأحبوها.
وتنتهي الرحلة، لكن الأثر يواصل طريقه بين الناس.
وما أصعب أن نكتب عن فنانة في مقام الرحيل، لأن الكلمات مهما بلغت لن تستطيع أن تختصر مسيرة إنسانة عاشت للفن، ولا أن تختزل أثرها في وجدان من عرفوا حضورها.
إن موريتانيا اليوم لا تودع فنانة فقط، وإنما تودع صفحة من صفحات تاريخها الفني، واسمًا سيظل حاضرًا كلما استُعيدت ذاكرة الفن الموريتاني، وكلما تحدثنا عن جيل حمل الفن من فضاءاته التقليدية إلى فضاء أوسع، دون أن يفقد صلته بالهوية والذاكرة والمجتمع.
رحم الله سكتو همد فال، وغفر لها، ورفع درجتها في المهديين، وجعل ما قدمته من فن وإبداع وأثر في ميزان حسناتها.
وعزاؤنا لأهلها وذويها ومحبيها، وللأسرة الفنية والثقافية الموريتانية، وللوطن الذي فقد اليوم واحدة من بناته اللواتي تركن أثرًا في ذاكرته.
نامي بسلام يا سكتو…
فقد ترجلتِ عن مسرح الحياة، لكن الستار لم يُسدل على أثرك.
سيبقى اسمك في الذاكرة، وسيبقى صوتك شاهدًا على زمن من الفن الموريتاني لا يتكرر.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
أخبار اليوم أهم الأخبار أولا بأول على مدار اليوم