بقلم علي محمد اعل : ضعف الذاكرة وإعادة الثقة في زمرة الفشل والفساد

ضعف الذاكرة وإعادة الثقة في زمرة الفشل والفساد

إن المفارقة ليست أن السياسي يكذب، لأن الكذب في السياسة ليس اكتشافا جديدا؛ المفارقة أن الناخب نفسه يصر على تصديق الكذبة ذاتها للمرة العاشرة، وكأن ذاكرته تُمحى مع كل موسم انتخابي.

كلما اقترب موسم الانتخابات، عاد المشهد بالديكور نفسه: الوعود نفسها، والشعارات نفسها، والابتسامات نفسها، وحتى اللغة التي تتحدث عن التغيير ما هي إلا نسخة معاد تدويرها من خطاب الأمس. فيظهر من كان جزءا من المشكلة بشحمه، ولحمه على هيئة منقذ “داير وجه من تنكرده”، ويعد بإصلاح ما ساهم هو نفسه في إفساده، وكأن المسؤولية السياسية تنتهي بانتهاء الخطاب الرنان.

لكن المشكلة في جوهرها ليست في وفرة الوعود والمغريات التي يتقدم بها السياسي بغية تضليل الشعب المسكين؛ المشكلة في قدرة الذاكرة الشعبية على التذكّر. فحين يفقد المجتمع قدرته على تذكّر من انتخب بالأمس، ثم يعجز عن تقييم الأداء (الإنجازات والإخفاقات)، يصبح صندوق الاقتراع أداة لإعادة إنتاج الماضي، بدل أن يكون وسيلة لبناء وطن أفضل.

فالديمقراطية- يا هؤلاء وألئك- ليست مسابقة لاختيار أكثر الساسة خطابا منمقا،
ولا أكثر الوجوه تبسما؛ إنها آلية للمساءلة، والسؤال الديمقراطي الحقيقي ليس:
بمَ تعد؟، بل: ماذا أنجزت، يا هذا، حين كانت لديك القدرة على الفعل؟!

فالوعود لا تحتاج إلى ميزانية، ولا إلى خطة، ولا إلى نتائج؛ بل يكفيها ميكروفون، وجمهور قابل للتصديق، والتصفيق في آن واحد.
أما الإنجاز فعلى عكس الخطاب الانتخابي يترك وراءه أرقاما وآثارا ( واقعا ملموسا)، ولا يحتاج إلى مهرجانات كي تبرزها فهي ماثلة للعيان ويستعصي إخفاؤها على البلاغة السياسية.

ولعل أكثر ما يثير السخرية في المشهد أن مجتمعاتنا القبلية والجهوية لا تكتفي بأن تُلدغ من الجحر نفسه؛ بل تعود إليه في كل موسم انتخابي، تستمع إلى الأفعى نفسها، بالابتسامة نفسها والوعود نفسها، ثم تمنحها ثقتها من جديد.

وهنا لا تعود المسألة مجرد فشل سياسي، بل تتحول إلى أزمة في الوعي الديمقراطي نفسه لدى المجتمع، فعندما يُكافأ الفشل بالنسيان، ويُكافأ الوعد بالتصديق، يصبح تكرار الفشل ليس قدرا سياسيا، بل اختيارا جماعيا يرتدي ثوب إعادة التدوير، ومنح الفرص لمن لا يستحقون إلا المحاسبة أمام الملأ، بل وربما العقاب السياسي، لأنهم يتعاملون مع الوطن وكأنه غنيمة تُختزل في مصالحهم الضيقة، فيبقى هذا الوطن أسيرا لمصالحهم، عاجزا عن بلوغ سن الرشد.

علي محمد أعل

شاهد أيضاً

محمد ولد البشير: المصلحة الوطنية تقتضي استكمال المأمورية ودعم الحوار ورفض استباق النقاش حول تعديل الدستور

بسم الله الرحمن الرحيم في ظل ما تشهده الساحة الوطنية من نقاشات سياسية، نؤكد أن …