لم تكن موريتانيا يوما دولة هامشية في الجغرافيا الإفريقية، ولا مجرد امتداد صحراوي على تخوم المغرب العربي، بقدر ما كانت ” بحكم موقعها ” ضرورة استراتيجية فرضتها الطبيعة قبل أن تفرضها السياسة.
فالدول قد تصنع نفوذها بالقوة أو الاقتصاد، أما موريتانيا فقد صنعه لها الموقع.. ذلك الموقع الذي وضعها عند نقطة الالتقاء بين شمال إفريقيا وغربها، وبين العالم العربي والعمق الإفريقي، وبين اليابسة الصحراوية والمحيط الأطلسي المفتوح على أوروبا والعالم.
ولهذه الأسباب تحديدا، تبدو أي محاولة للحديث عن أي تكتل او تحالف، أو اتحاد شمال إفريقي دون إشراك أو مباركة موريتانيا حديثا ناقصا من الناحية الجيوسياسية.. فالجغرافيا لا تعترف بالشعارات، بقدر ما تعتمد وترتكز على المعابر والمنافذ وموازين الحركة.
وموريتانيا هي المنفذ الطبيعي الوحيد لشمال إفريقيا نحو الأطلسي وإفريقيا جنوب الصحراء معا.. وهي الدولة التي تمنح المجال المغاربي بعده الإفريقي، وتمنحه كذلك رئته البحرية المفتوحة خارج المتوسط.
و من يتأمل خارطة شمال إفريقيا يلاحظ أن أغلب دوله تتجه شمالا نحو أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، بينما تتجه موريتانيا وحدها غربا نحو الأطلسي وجنوبا نحو العمق الإفريقي.. وهذه الخصوصية جعلتها تتحول تدريجيا إلى نقطة ارتكاز في مشاريع الربط القاري، خاصة مع التحولات الاقتصادية التي يشهدها الساحل وغرب إفريقيا.. فالممر البري الممتد من المغرب إلى السنغال عبر الأراضي الموريتانية أصبح شريانا تجاريا يربط شمال القارة بغربها، وتتحرك عبره البضائع والطاقة والاستثمارات والأفراد.
ولذلك لم يكن غريبا أن تتزايد أهمية موريتانيا داخل الحسابات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا مع تصاعد القلق الدولي من هشاشة منطقة الساحل.. فبينما تحولت عدة دول مجاورة إلى فضاءات للانقلابات المسلحة والفوضى الأمنية، حافظت موريتانيا على قدر كبير من الاستقرار السياسي والأمني، ما جعلها تبدو بالنسبة لكثير من القوى الدولية “المنطقة الهادئة” الوحيدة في حزام الساحل الملتهب.
وهذا الاستقرار لم يكن معزولا عن الجغرافيا، بل نتاج فهمٍ موريتاني عميق لوظيفتها الإقليمية.. فالدولة تدرك أن موقعها لا يسمح لها بأن تكون طرفا في الاستقطابات الحادة، وإنما يفرض عليها أن تكون مساحة توازن بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، وبين المصالح الأوروبية والإفريقية، وبين الأمن والتنمية.. ولهذا استطاعت أن تبني صورة مختلفة داخل الإقليم: دولة أقل ضجيجا سياسيا، لكنها أكثر حضورا في المعادلات الكبرى.
ولعل ما يمنح موريتانيا قيمة مضاعفة هو أنها معبرًا حضاريا وثقافيا.. فهي الدولة التي التقت فيها الثقافة العربية بالإفريقية دون قطيعة، وامتزجت فيها الصحراء بالمحيط، والبادية بالتجارة البحرية، والعمق الإسلامي بالإرث الإفريقي.. ولهذا ظلت عبر التاريخ نقطة عبور للقوافل والعلماء والتجار والمتصوفة، قبل أن تصبح اليوم نقطة عبور للمشاريع الاقتصادية والاستراتيجية.
و إن أوروبا، التي تبحث اليوم عن منافذ آمنة نحو إفريقيا، تدرك أن موريتانيا بوابة استقرار.. كما أن إفريقيا الغربية، التي تبحث عن اتصال أكثر أمانا وتنظيما مع شمال القارة، تجد في موريتانيا معبرها الأكثر توازنا.. ومن هنا تتشكل القيمة الحقيقية لهذا البلد: إنه الجسر الوحيد الرابط بين الفضائين.
و لقد تغيرت طبيعة القوة في العالم.. حيث لم تعد القوة فقط في الجيوش الضخمة أو الكثافة السكانية، بقدر ما أصبحت أيضا في القدرة على التحكم في الممرات الاستراتيجية وخطوط التجارة والطاقة والهجرة.. وموريتانيا تمتلك هذا الامتياز بهدوء، فهي تطل على واحد من أهم المجالات البحرية المفتوحة على أوروبا والأمريكيتين، وتقع في الوقت نفسه على تخوم الساحل الإفريقي الذي سيشكل خلال العقود القادمة أحد أكبر مجالات النمو السكاني والاقتصادي في العالم.
ومن هنا، فإن مستقبل شمال إفريقيا لن يُكتب بمعزل عن موريتانيا.. لأنها شرط جغرافي أساسي لنجاحه.. فالاتحاد الذي لا يمتلك منفذا أطلسيا حقيقيا سيظل اتحادا ناقص الحركة، والفضاء الذي لا يتصل بعمقه الإفريقي سيظل فضاء مغلقا على ذاته.
ولهذا فإن موريتانيا اليوم عي مركز عبور استراتيجي، وصمام استقرار، ونقطة التقاء بين قارتين ومجالين حضاريين.
وكلما أعاد العالم رسم خرائط التجارة والطاقة والنفوذ، ازدادت قيمة هذا البلد الذي وضعه الله في المكان الذي لا يمكن تجاوزه.
أخبار اليوم أهم الأخبار أولا بأول على مدار اليوم