ولاتة.. أكلما اتسع رصيد الكفاءات ضاق صيبها من الإنصاف؟ بقلم آبه شيخنا محمدي


🛑ولاتة.. أكلما اتسع رصيد الكفاءات ضاق نصيبها من الإنصاف؟

ليس من باب العتاب أن نذكّر بمكانة ولاتة ولا من باب المطالبة بإمتياز لا يستحقه غيرها و انما من باب السؤال الذي طال انتظاره كثيرًا ! كيف لمدينة بهذا العمق التاريخي و ذا الثراء العلمي والبشري أن تظل كفاءاتها دون الحضور الذي يليق بها في مواقع القرار الوطني؟

ولاتة ليست مجرد حاضرة تاريخية نتغنى بماضيها المجيد جدًا ، ولا اسمًا نستحضره في المناسبات العلمية و الثقافية و الاجتماعية ، إنها مدينة أنجبت علماء وأطباء وجراحين، ودكاترة وبروفيسورات في الحديث والشريعة و الطب و الفيزياء والرياضيات و الكيمياء ،وكفاءات في القانون والتاريخ والفلسفة و الثقافة و الرياضة، ومهندسين بمختلف التخصصات، وخبراء في المالية والزراعة والأرصاد الجوية و البيئة ، وأطرًا في الإدارة الاقليمية و التسيير، والأمن والمؤسسة العسكرية و التجارة و الصحافة .

وفيها من الشباب و بها من النساء والرجال السياسيين ذوي التجربة والطاقات الصاعدة، من يملكون المؤهلات العلمية والمهنية التي تجعلهم جديرين بالمنافسة على أعلى المسؤوليات ،كما أن أبناءها لم ينتظروا أن تُفرش لهم الطرق بالامتيازات و المحسوبية بل شق كثيرون منهم طريقهم بالتحصيل والاجتهاد والعمل و الإيمان بالله عز و جل و سبل السعي للرزق الحلال الطيب ، ففرضوا حضورهم في مجالات تخصصهم.

ومن هنا، فإن العتاب ليس على الدولة وحدها، بل على واقع يطرح أسئلة مشروعة حول مدى حضور هذه الكفاءات في حسابات التعيين، ومدى انعكاس رصيدها العلمي والمهني على تمثيلها في مواقع المسؤولية.

و لنا في تاريخ ولاتة ما يكفي لتذكيرنا بأن أبناءها لم يكونوا يومًا بعيدين عن ميادين العطاء، وأن بصماتهم امتدت إلى الإدارة والطب والجراحة، والأمن والعسكرية والمالية والتجارة، والتعليم والبحث العلمي، وغيرها من المجالات التي لا تُبنى الدول إلا بسواعد أهلها وعقولهم.

ويبرز في هذا السياق اسم الوزير الأول الأسبق، الشريف الدكتور محمد الأمين أگيگ، الذي يمثل، في ذاكرة الوطن و المواطن، نموذجًا للكفاءة الوطنية ذات الامتداد الإقليمي والدولي، بما ارتبط باسمه من تجربة في إدارة الشأن العام بنزاهة و شفافية و ترشيد و حصافة ،ومن حضور في مؤسسات الدولة والعمل العربي المشترك، وصولًا إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ،وتستحق مسيرته الغنية قراءةً موضوعية تستخلص من مسارها دروس الارادة و الإدارة والمسؤولية و النجاحات وتضعها في سياقها التاريخي والسياسي نموذجًا للمثالية .
و في فترة إدارة الدولة في مرحلة صعبة تاريخيًا، في ظل تعقيدات السلطة، وضغوط القبلية، واختلالات التسيير، وتحديات بناء المؤسسات وترسيخ المواطنة و رغم ذلك تجلت قيمة المسؤول الذي يجعل من القانون مرجعية ومن المرفق العام أمانة ومن المال العام حقًا للمواطنين، ومن التنمية غايةً تتجاوز المصالح الضيقة ،وهي معايير ينبغي أن تُقاس بها التجارب جميعها، مهما اختلفت الأسماء والمناطق والانتماءات.
وليس هذا النموذج إلا جزءًا من سجل أوسع لكفاءات ولاتة التي عملت في الإدارة الإقليمية، والتسيير المالي والمؤسساتي، والطب والجراحة، والأمن والعسكر، والتجارة، والتعليم، وسائر مجالات الخدمة العامة.

جلها أسماء قد يعرفها محيطها المهني أكثر مما يعرفها الرأي العام، وتجارب ربما لم تنل من التوثيق والإنصاف ما تستحق، لكنها تركت أثرًا في مواقع عملها، وأسهمت في أداء مؤسسات الدولة وتطوير خدماتها.

والأهم من ذلك أن الكفاءة ليست حكرًا على جيل دون آخر، ولا على الرجال دون النساء، ولا على أصحاب المناصب السابقة دون الطاقات الصاعدة ففي ولاتة شباب يمتلكون المؤهلات، ونساء أثبتن جدارتهن، وأطر راكموا الخبرة، وعلماء حملوا المعرفة إلى أرفع المؤسسات وكل هؤلاء يمثلون رصيدًا وطنيًا ينبغي أن يُستثمر وفق قواعد شفافة لا أن يظل مجرد مادة للفخر في المناسبات والاحتفالات.

فهل يُعقل أن تزخر ولاتة بالعلماء والدكاترة والبروفيسورات والكفاءات ثم لا يكون من حق أبنائها التساؤل عن نصيبهم من التعيينات الوزارية؟

لسنا نطالب بمنصب على أساس الانتماء، فالوطن أكبر من الجغرافيا، والكفاءة لا جنسية جهوية لها. لكن العدالة تقتضي ألا تُمدح كفاءات ولاتة في الخطابات، ثم تُغفل عند الاختيار.

إننا لا نطلب امتيازًا على حساب غيرنا، بل تكافؤ الفرص، وأن تجد كفاءات المدينة من العلماء والدكاترة والبروفيسورات و الإداريين و الساسة مكانها في خيارات الدولة بما تستحقه من علم وخبرة ونزاهة في وقت لا تزال فيه ولاتة تعاني نقصًا في الخدمات الأساسية مقارنةً بمدن عتيقة وأخرى في نفس الولاية حتى المستحدثة منها !!!

فما الذي يمنع أن يتولى أحد أبنائها حقيبة وزارية متى استحقها؟ وإلى متى يظل الاعتراف بكفاءات ولاتة أسهل من إنصافها؟

إنه عتاب المحب لوطنه، لا دعوة إلى الجهوية؛ فموريتانيا تكسب حين يصبح الإنصاف ممارسةً، وتكافؤ الفرص واقعًا، والجدارة معيارًا للجميع..

آبه شيخنا محمدي

شاهد أيضاً

محمد أحمد ولد محمد الأمين: مسيرة حافلة بالإنجازات الأمنية والدبلوماسية في خدمة الوطن

كتب الصحفي الخليل عبدالله محمد أحمد ولد محمد الأمين: مسيرة حافلة بالإنجازات الأمنية والدبلوماسية في …